أريج المنهل

أبحاث – دراسات – مقالات

تدوينات معاصرة, مقالات

طالب الحق كناشد ضالة

طالب الحق كناشد ضالة يفرح بظهورها على أى يدٍ كانت ومن أى جهةٍ أتت

كتبه : شتا محمد

طالب الحق الشغوف بمعرفته لا يهمه من الواجد له بقدر ظفره بضالته وبما غاب عنه من العلم والفهم ، ولا يتردد أبداً في أن يتراجع عن رأيه إذا تبين له صحة رأي غيره ، فالتجرد في طلب الحق يُعين في الوصول إليه .
لذا… لا يستقيم الأمر للمنصف حتى يكون ” في طلبه للحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه ، ويرى رفيقه معينا لا خصما ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبهه صاحبه على ضالته في طريق آخر فإنه كان يشكره ولا يذمه ويكرمه ويفرح به فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم حتى أن امرأة ردت على عمر رضي الله عنه ونبهته على الحق وهو في خطبته على ملإ من الناس فقال أصابت امرأة وأخطأ رجل ” ( 1) .
” فإذا كان التأصيل العلمي والمنهجي في الحوار ذا أهمية كبيرة، فإن الجانب السلوكي والتربوي له أثر كبير جداً في هذا الباب، إذ إن الممارسة الناضجة والتخلق الكريم بأخلاق القرآن العظيم، هما الترجمان الحقيقي والأثر الحي الصادق للعلم الصحيح، فليست المشكلة في قضية الحوار علمية فحسب وإن كان لها أثر كبير وإنما هي تربوية ونفسية كذلك.
والتجرد في طلب الحق يُعين في الوصول إليه، والهوى داء خطير يعمي بصيرة الإنسان، فلا يرى حقاً إلا ما وافق هواه، والعلم وحده لا يكفي في ساحة الحوار، بل لابد معه من الإخلاص والتجرد، فقد يضل المرء على علم والعياذ بالله كما قال تعالى: [أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم] .
وعلى المحاور الصادق أن يقصد بمحاورته وجه الله تعالى وحده لا شريك له، فلا يرجو الغلبة والانتصار، كما لا يرجو ثناء الناس أو حمدهم، فما عندهم ينفد وما عند الله باق، قال الله تعالى: [فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً] .
قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في ذكر آداب الجدل والمناظرة:
«ويخلص النية في جداله بأن يبتغي به وجه الله تعالى … وليكن قصده في مناظرته إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم» .
فصاحب الهوى ليست له قواعد مطردة، أو موازين منضبطة، يعتمد عليها في البحث عن الحق، بل تراه يدور مع هواه حيث دار، وحينما يتصف المحاور بهذه الصفة فلا يمكن أن يصل المتحاوران إلى النتيجة المرجوة بحال.
ومن مقتضيات التجرد في طلب الحق: أن يدخل المرء ساحة الحوار باحثاً عن الحق، حتى لو كان عند خصمه،
ولا يتردد أبداً في أن يتراجع عن رأيه إذا تبين له صحة رأي غيره، قال الله تعالى: [وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين] كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: «ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ» ، وقال أيضا: «ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق
ويسدد ويعان، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بَيّنَ الله الحق على لساني أو
لسانه» . (2 ) وقارن هذه النفس المخبتة الصادقة، التي تعلو على الأهواء ولا تتطلع إلا إلى
الحق، بتلك النفوس المريضة التي تراوغ هنا وهناك حتى لا يظهر ويعلو إلا قولها، سواء أكان ذلك حقاً أو باطلاً.. قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: «فانظر
إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به، وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه
طول عمره..؟ ( 3)………”( 4)
ولقد وصف الله تعالى ثلة من أهل الكتاب أمنو وصدقوا بما جاء به نبي الله صلى الله عليه وسلم، فانظر إلى لين عريكة النصارى وسهولة ارعوائهم وميلهم إلى الإسلام دون حقد أو حسد مع ما هم عليه من الهيمنة والسلطان على شعوبهم، يقول الله تعالى : (وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين (83) وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين (84))
” وروى أبو هريرة أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وكله بحفظ زكاة رمضان، فأتاه آت فجعل يحثو من الطعام، فأمسك به ثم خلى سبيله، ثم عاد الثانية والثالثة، إلى أن قال في الثالثة: دعني أعلمك كلمات ينفعك الله بها، قال: قلت: ما هن؟ ، قال: إذا أويت إلى فراشك فاقرأ آية [الله لا إله إلا هو الحي
القيوم] حتى تختم الآية، فإنك لن يزال عليك من الله حافظ، ولا يقربنك شيطان حتى تصبح. فلما أخبر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال له: أما إنه قد صدقك وهو كذوب، تعلم من تخاطب منذ ثلاث ليال يا أبا هريرة؟، قال: لا، قال: ذاك شيطان .
فهذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لا يمتنع من قبول الحق من أعدى أعدائه، بل ممن يعلم أنه كثير الكذب.. وذاك غاية العدل. إن طريق الوصول إلى الحق عبر الحوار هو الاتصاف بالعدل والعلم وحسن
القصد، وأما الجهل والظلم وسوء القصد فهو الطريق إلى التنازع والفرقة والقطيعة بين أهل المنهج الواحد، بل بين ذوي الرحم. ولا تزال قلة الإنصاف قاطعةً بين الأنام وإن كانوا ذوي رحم
ولا يضر المرء أن يحب ظهور الحق على يديه أو يحصل الخير بسببه ، فإن ذلك طبع جبلي فطره الله تعالى عليه ، ولقد فرح عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما فطن أبنه النجيب عبد الله سؤال رسول الله عن الشجرة التى لا يسقط ورقها فقال رضى الله عنه : لئن قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا ….. لكن أن يكره ظهور الحق على يدى غيره ويجد فى قلبه من ذلك حرجا أو فى صدره ضيقاً أوفى حلقه غصة فإنها الأفة التى طالما حذر منها الشارع فى غير موضع من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ” فإن الرجل قد يكون له بصيرة وحسن إدراك ومعرفة بالحق ورغوب إليه فيخطئ في المناظرة ويحمله الهوى ومحبة الغلب وطلب الظهور على التصميم على مقاله ، وتصحيح خطئه ، وتقويم معوجه بالجدال والمراء . وهذه الذريعة الإبليسية والدسيسة الشيطانية قد وقع بها من وقع في مهاوٍ من التعصبات ومزالق من التعسفات عظيمة الخطر مخوفة العاقبة . وقد شاهدنا من هذا الجنس ما يقضي منه العجب” ( 5) يقول ابن رجب رحمه الله : قال بعض السَّلف : التَّواضُعُ أنْ تَقْبَلَ الحقَّ مِن كلِّ من جاء به ، وإنْ كان صغيراً ، فمن قَبِلَ الحقَّ ممَّن جاء به ، سواء كان صغيراً أو كبيراً ، وسواء كان يحبُّه أو لا يحبه ، فهو متواضع ، ومن أبى قَبُولَ الحقِّ تعاظُماً عليه ، فهو متكبِّرٌ ( 6)
وقال ابن القيم:”…… فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله ولا تلتفت إلى قائله بل انظر إلى ما قال لا إلى من قال وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه ويقبله إذا قاله من يحبه فهذا خلق الأمة الغضبية قال بعض الصحابة اقبل الحق فمن قاله وإن كان بغيضا ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا وما وجدت فيه من خطأ فإن قائله لم يأل جهد الإصابة ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال كما قيل:
والنقص في أصل الطبيعة كامن … فبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد .” (7 )
والحاصل، أن من أسباب ما تعانية أمتنا فى هذا الزمان من الضعف والتمزق وتداعي أعداءها عليها لهو نفرة البعض ( سواء جماعات أو أحزاب أو مؤسسات ) من قبول الحق من أخوانه وأقرانه بل يصرون على باطلهم مع قيام الحجة عليهم، وظهور الحق لهم . فلكى نصل إلى الغاية من المعنى السابق لا بد من توفر أصلين .
الأول : التجرد في طلب الحق، والحذر من التعصب والهوى، وإظهار الغلبة والانتصار للنفس بالمجادلة بالباطل.
الثانى : الاتفاق على أصل يرجع إليه، والمرجعية العليا عند كل مسلم هي : الكتاب والسنة، بهم وطرائق السلف فى الأخذ بهما وكذلك الضوابط المنهجية . وقد أمر الله بالرد إليهما فقال سبحانه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ

_______________

( 1) إحياء علوم الدين 1/57
( 2) مناقب الشافعي للرازي (ص 36) والفقيه والمتفقه (2/26) .
( 3) إحياء علوم الدين (1/44) .
( 4) مقال للشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان [التجرد في الحوار ] في مجلة البيان (238 عددا)
( 5) ” أدب الطلب ومنتهى الأرب ” للشوكاني ( ص:110).
( 6) ” جامع العلوم والحكم ” لابن رجب الحنبلي . الحديث رقم (13).
( 7) ” مدارج السالكين ” (3-522).

قراءة المزيد...
تدوينات معاصرة

طالب الحق كناشد ضالة

 

طالب الحق كناشد ضالة

 

لا يستقيم الأمر للمنصف حتى يكون ” في طلبه للحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه ، ويرى رفيقه معينا لا خصما ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبهه صاحبه على ضالته في طريق آخر فإنه كان يشكره ولا يذمه ويكرمه ويفرح به فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم حتى أن امرأة ردت على عمر رضي الله عنه ونبهته على الحق وهو في خطبته على ملإ من الناس فقال أصابت امرأة وأخطأ رجل ” ([1])

” فإذا كان التأصيل العلمي والمنهجي في الحوار ذا أهمية كبيرة، فإن الجانب السلوكي والتربوي له أثر كبير جداً في هذا الباب، إذ إن الممارسة الناضجة والتخلق الكريم بأخلاق القرآن العظيم، هما الترجمان الحقيقي والأثر الحي الصادق للعلم الصحيح، فليست المشكلة في قضية الحوار علمية فحسب وإن كان لها أثر كبير وإنما هي تربوية ونفسية كذلك.

والتجرد في طلب الحق يُعين في الوصول إليه، والهوى داء خطير يعمي بصيرة الإنسان، فلا يرى حقاً إلا ما وافق هواه، والعلم وحده لا يكفي في ساحة الحوار، بل لابد معه من الإخلاص والتجرد، فقد يضل المرء على علم والعياذ بالله كما قال تعالى: [أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم] .

وعلى المحاور الصادق أن يقصد بمحاورته وجه الله تعالى وحده لا شريك له، فلا يرجو الغلبة والانتصار، كما لا يرجو ثناء الناس أو حمدهم، فما عندهم ينفد وما عند الله باق، قال الله تعالى: [فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً] .

قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في ذكر آداب الجدل والمناظرة:

«ويخلص النية في جداله بأن يبتغي به وجه الله تعالى … وليكن قصده في مناظرته إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم» .

فصاحب الهوى ليست له قواعد مطردة، أو موازين منضبطة، يعتمد عليها في البحث عن الحق، بل تراه يدور مع هواه حيث دار، وحينما يتصف المحاور بهذه الصفة فلا يمكن أن يصل المتحاوران إلى النتيجة المرجوة بحال.

ومن مقتضيات التجرد في طلب الحق: أن يدخل المرء ساحة الحوار باحثاً عن الحق، حتى لو كان عند خصمه،

ولا يتردد أبداً في أن يتراجع عن رأيه إذا تبين له صحة رأي غيره، قال الله تعالى: [وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين] كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: «ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ» ، وقال أيضا: «ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق

ويسدد ويعان، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بَيّنَ الله الحق على لساني أو

لسانه» . ([2]) وقارن هذه النفس المخبتة الصادقة، التي تعلو على الأهواء ولا تتطلع إلا إلى

الحق، بتلك النفوس المريضة التي تراوغ هنا وهناك حتى لا يظهر ويعلو إلا قولها، سواء أكان ذلك حقاً أو باطلاً.. قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: «فانظر

إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به، وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه

طول عمره..؟ ([3])………”([4])

ولا يضر المرء أن يحب ظهور الحق على يديه أو يحصل الخير بسببه ، فإن ذلك طبع جبلي فطره الله تعالى عليه ، ولقد فرح عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما فطن أبنه النجيب عبد الله سؤال رسول الله عن الشجرة التى لا يسقط ورقها فقال رضى الله عنه : لئن قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا ….. لكن أن يكره ظهور الحق على يدى غيره ويجد فى قلبه من ذلك حرجا أو فى صدره ضيقاً أوفى حلقه غصة فإنها الأفة التى طالما حذر منها الشارع فى غير موضع من الكتاب الله أو السنة ، ” فإن الرجل قد يكون له بصيرة وحسن إدراك ومعرفة بالحق ورغوب إليه فيخطئ في المناظرة ويحمله الهوى ومحبة الغلب وطلب الظهور على التصميم على مقاله ، وتصحيح خطئه ، وتقويم معوجه بالجدال والمراء . وهذه الذريعة الإبليسية والدسيسة الشيطانية قد وقع بها من وقع في مهاوٍ من التعصبات ومزالق من التعسفات عظيمة الخطر مخوفة العاقبة . وقد شاهدنا من هذا الجنس ما يقضي منه العجب” ([5])                                                    يقول ابن رجب رحمه الله : قال بعض السَّلف : التَّواضُعُ أنْ تَقْبَلَ الحقَّ مِن كلِّ من جاء به ، وإنْ كان صغيراً ، فمن قَبِلَ الحقَّ ممَّن جاء به ، سواء كان صغيراً أو كبيراً ، وسواء كان يحبُّه أو لا يحبه ، فهو متواضع ، ومن أبى قَبُولَ الحقِّ تعاظُماً عليه ، فهو متكبِّرٌ  ([6])

وقال ابن القيم:”…… فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله ولا تلتفت إلى قائله بل انظر إلى ما قال لا إلى من قال وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه ويقبله إذا قاله من يحبه فهذا خلق الأمة الغضبية قال بعض الصحابة اقبل الحق فمن قاله وإن كان بغيضا ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا وما وجدت فيه من خطأ فإن قائله لم يأل جهد الإصابة ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال كما قيل:

والنقص في أصل الطبيعة كامن … فبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد .” ([7])

 

والحاصل لكى نصل إلى الغاية من المعنى السابق لا بد من توفر أصلين .

الأول : التجرد في طلب الحق، والحذر من التعصب والهوى، وإظهار الغلبة والانتصار للنفس بالمجادلة بالباطل.

الثانى : الاتفاق على أصل يرجع إليه، والمرجعية العليا عند كل مسلم هي : الكتاب والسنة، بهم وطرائق السلف فى الأخذ بهما وكذلك الضوابط المنهجية . وقد أمر الله بالرد إليهما فقال سبحانه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ

( 1) إحياء علوم الدين  1/57

( 2) مناقب الشافعي للرازي (ص 36) والفقيه والمتفقه (2/26) .

( 3) إحياء علوم الدين (1/44) .

( 4) مقال للشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان [التجرد في الحوار ] في مجلة البيان (238 عددا)

( 5) ” أدب الطلب ومنتهى الأرب ” للشوكاني ( ص:110).

( 6) ” جامع العلوم والحكم ” لابن رجب الحنبلي . الحديث رقم (13).

( 7) ” مدارج السالكين ” (3-522).

قراءة المزيد...
أخبار

الإكثار من المزاح والأضاحيك عند مواطن الوعظ والنصيحة

رسائل [تناثر الرماد على أثواب الجياد]

الرسالة (2)

الإكثار من المزاح والأضاحيك عند مواطن الوعظ والنصيحة

بحيث يصير ذلك علامة وسمة في الواعظ أو الداعية

 

الحمد لله العلي العظيم، وصلى الله وسلم على نبيه الكريم.

وبعد:

فإنما شُرع المزاح للملاطَفة والمؤانسة، وتطييب الخواطر، وإدخال السرور، وفيه من التبسط لطرد السأم والملَل، وتطييب المجالس بالخفيف منه – الخير الكثير إذا كان بقدر موزون.

وقد اعتبر كثير من الفقهاء المزاحَ من المروءة وحسن الصحبة.

 

وكان هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم؛ كما ذكر ذلك البخاريُّ في باب الانبساط إلى الناس؛ مستدلًّا بحديث: ((يا أبا عُمير، ما فعل النُّغَير؟))، وقوله لأنس رضي الله عنه: ((يا ذا الأُذنين))؛ يمازِحه صلى الله عليه وسلم؛ [رواه الترمذي].

ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فأمَّا من استعان بالمباح الجميلِ على الحقِّ فهذا من الأعمال الصالحة”.

 

ومع ذلك؛ فإنَّ الله تعالى جعل لكل شيء قدرًا؛ فالمزاح في الكلام كالملح في الطَّعام؛ إن زاد فيه فسد، وإن قلَّ لم يُستسغ.

وكثرة وقوع الأضاحيك بين الناس، جعلَتها ظاهرة مذمومة، تشمئزُّ منها الفِطَر السويَّة، وترى بعضهم يغلب على طَبعه كثرة المزاح والإسفاف وتماديه فيه، فيخطئ في تصوُّره أنَّ كثرة المزاح وذِكر غرائب الحمقى وأخبار المغفَّلين – بحكاية أو صورة أو كاريكاتير أو غير ذلك – إنما هو تَعبير عن طراوة النَّفس وطيب القلب، ومدخل إلى القلوب، فتَقبل الموعظةَ ويسهل عليها تلقِّيها.

 

يقول أبو الحسن الماوردي: اعلم أنَّ للمزاح إزاحة عن الحقوق، ومخرجًا إلى القطيعة والعقوق، يصمُّ المازح ويؤذي الممازح؛ فوصمة المازِح أن يذهب عنه الهيبة والبهاء، ويجري عليه الغوغاء والسُّفهاء، وأمَّا أذيَّة الممازَح فلأنَّه معقوق بقول كريه، وفعل ممضٍّ، إن أمسَك عنه أحزن قلبه، وإن قابَل عليه جانَب أدَبَه، فحق على العاقل أن يتَّقيه، وينزِّه نفسه عن وصمة مساوئه[1].

 

يقول الشاعر:

وإيَّاك مِن فرطِ المزاح فإنَّه ♦♦♦ جديرٌ بتَسفيه الحليم المسدَّدِ

 

وقال الإمام النووي رحمه الله: “المزاح المنهي عنه هو الذي فيه إفراطٌ ويداوم عليه؛ فإنه يورث الضَّحك وقسوة القلب، ويشغل عن ذِكر الله تعالى، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، ويورِث الأحقاد، ويسقِط المهابةَ والوقار، فأمَّا مَن سلِم من هذه الأمور فهو المباح الذي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله”[2].

 

♦ والسؤال المطروح الآن: هل كثرة التبسُّط بالمزاح، وإلقاءُ الأضاحيك، من الدعوةِ إلى الله في شيء؟!

الدعوة إلى الله تعالى من أجلِّ الأقوال وأفضل الأعمال؛ قال تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ ﴾ [فصلت: 33]، الاستفهام إنكاري، جوابه: لا أحد أحسَن ممَّن يدعو إلى الله تعالى؛ بل هي مَهمَّة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم، ومهمَّة أتباع الرسل.

 

غير أنَّ الدعوة المباركة لا تَستقيم لهؤلاء الذين ضيَّعوا حظَّهم من المروءة، فغلب عليهم المزاح في مجالسهم ومواعظهم، فأصبح ديدنًا لهم.

وقد ترى منهم ذكر أسماء المغنِّيات أو الفنانين، وربَّما يذكر بعضهم شيئًا من أغانيهن وما استجدَّ منها، ولسان حاله يدلُّ على متابعة كل جديد، وربَّما زعم أنَّ هذا من “فقه الواقع“.

 

وتجد بعضهم قد التقَط النكات والمقاطِع من بطون الأفلام والمسلسلات، وربَّما أرفق مع ذلك صورة أو مقطعَ فيديو، وربَّما زاد الطين بِلَّة، فأتى بصور لنساء متبرِّجات؛ وما ذلك إلا ليدلِّل على رأي أو مشاركة له في صفحات التواصل الاجتماعي، وهو بذلك يظن في نفسه أنَّه فارس في الميدان، قد قدَّم معروفًا أو ردَّ منكرًا، وما المسكين إلَّا متخبط تائه.

 

وهذا كله عكس الجد، الذي هو الحالة المفترضة، والسِّمة الغالبة في الدَّاعية إلى الله تعالى الواعظ في دينه.

أخرج أحمد وغيره عن أسامة بن شريك قال: أتيتُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه حوله، وعليهم السَّكينة، كأنما على رؤوسهم الطَّير، فسلَّمتُ، ثم قعدتُ…”؛ الحديث.

 

ويقول الإمام ابن كثير عند تفسيره لسورة الجاثية: “قال ابن أبي حاتم: قَدِم سُفيانُ الثوريُّ المدينةَ فسَمعَ المعافري يتكلَّمُ ببعضِ ما يُضحكُ به الناسَ، فقال له:

يا شيخ، أما علمتَ أنَّ لله تعالى يومًا يَخسر فيه المُبطلون؟!

قال: فما زالَت تُعرفُ – أي أثر هذه الموعظة – في المعافري حتى لحق بالله تعالى!”[3].

 

وسئل معالي الشيخ صالح الفوزان حفظه الله تعالى:

اتَّخذ بعض الدعاة الضحك طريقةً ووسيلة لدعوة الناس للهداية والتوبة إلى الله من خلال المحاضرات والكلمات التي يلقونها، ما حكم هذا في الدَّعوة إلى الله؟

 

فأجاب حفظه الله: ما صار المَزْح والضحك في يوم من الأيام من الدعوة إلى الله؛ الدعوة إلى الله تكون بالكتاب والسنَّة، وبالوعظ والتذكير، أمَّا المزح والضحك؛ فهذا يُميتُ القلوب، ويصير النَّاس يضحكون ويمزحون ويأتون إلى هذا المكان لا من أجل الدعوة؛ بل يأتون من أجل الترويح! وهذا لا يصلح أبدًا، وليست هذه بطريقة دعوة، وإنما طريقة ترويح.

 

وسُئل أيضًا: هل القيام بدَعوة الناس إلى دين الله عن طريق تَقليد أصوات النِّساء وحفظ أغاني المطربين، والضحك والسخرية من لغات بعض الشعوب، وتسجيل ذلك وجعله في أشرطة، ونشره بين الناس؛ هل هذه دَعوة على منهج الكتاب والسنَّة؟ أرجو التوضيح في ذلك؛ لأن هذا الأمر بدأ يَجتمع في بعض الأوساط!

 

فأجاب: هذه مهزلة، ولا تنسب إلى الدَّعوة إلى الله عزَّ وجل، الدعوة إلى الله جدٌّ وصدق، من الكتاب والسنَّة، والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، ولا يدخل فيها الهزليات والضحك وتقليد أصوات النِّساء والتمثيليات؛ كل هذا من الخزعبِلات، ما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم ولا دعا الصَّحابةُ ولا مَن بعدهم بهذه الطرق المحدَثة التي يسمونها وسائل دعوة”؛ اهـ.

 

وقد يحتج بعض هؤلاء لطريقتهم هذه بأنَّ الكثير من الشباب قد تابوا ورجعوا عن كثيرٍ من المحرَّمات والموبقات بسبب هذا الأسلوب.

وهذه الحجَّة باطلة من وجوه:

أولًا: أن الوسائل المشروعة فيها الكفاية؛ وهي أفضل وأولى من وسائل مُحدثة تفضي إلى المحظور؛ فالإكثار من تناول المباح ذريعة إلى الوقوع فيما كَرهه الشَّرع، فكيف إذا كانت هذه الوسائل محظورة أصلًا؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((لا تكثِر الضَّحك؛ فإنَّ كثرة الضَّحك تميت القلب))[4].

 

ثانيًا: ثبت بالاستِقراء التوبة والاستقامة من الخلق بالوسائل الشرعيَّة أضعاف مَن تاب بتلك الوسائل المحدثة.

 

ثالثًا: الغالب في التأثُّر بهذه الوسائل الهشاشة والسطحية؛ بل سرعان ما تكون الانتكاسة، وربَّما مال الكثير إلى هؤلاء الدعاة لتلك الأضاحيك والترفيه والترويح عن النَّفس، وكيف يَحصل المراد وقد آذَن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالويل لمن أضحك الناس وهو كاذِبٌ؛ قال صلى الله عليه وسلم: ((ويلٌ للذي يُحدِّث فيكذب ليُضحك به القوم، ويلٌ له))[5].

 

رابعًا: لا يخلو هذا الأسلوب من هَمز أو لَمز أو غِيبة، أو سخرية أو استهزاء بأناس قد تكون دماؤهم وأعراضهم معصومة، وربما دخل فيه شيء من الكذب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول محذِّرًا من هذا المسلَك الخطير الذي اعتاده بعضُ المهرِّجين: ((إنَّ الرجل ليتكلَّم بالكلمة، لا يريد بها بأسًا، يَهوي بها سبعين خريفًا في النار))[6].

 

هذا ما تيسَّر باختصار، وإلَّا فالمسألة ذات شعب وشجون، والمقام بهما يطول، والحمد لله في الأولى والآخرة.


[1] أدب الدنيا والدين ص (309).

[2] الأذكار ص (326).

[3] تفسير ابن كثير (7/ 270).

[4] أخرجه الطبراني وابن ماجه وغيرهما، وقال الألباني: حسن؛ (الصحيحة) (506، 930).

[5] أخرجه الترمذي من حديث معاوية بن حيدة القشيري، وصححه الألباني، برقم (2315).

[6] أخرجه الإمام أحمد في المسند من حديث أبي هريرة (15/ 107)، وصححه أحمد شاكر.

كتبه شتا محمد

قراءة المزيد...
مقالات

التعامل مع الواقع بين اعتزاله والغلو فيه

التعامل مع الواقع بين اعتزاله والغلو فيه

ارتضى الله تعالى لهذه الأمة دينًا يَصونها ويَحفظها مِن الانزلاق في هوَّة الشائعات، ونشر الفوضى، وتناول الأخبار والنقولات دون تثبُّت أو توثيق، وكذلك صيانتها من الغلوِّ في الاستسلام للعواطف دون لاجمٍ من دين أو عقل.

 

مِن محاسن الإسلام صيانته للمجتمع المسلم من الانزلاق في هوَّة الشائعات، ونشر الفوضى، وتناول الأخبار والنقولات دون توثيق، وكذلك صيانته من الغلوِّ في الاستسلام للعواطف دون لاجمٍ مِن قُرآن أو سنَّة، وصيانته كذلك بالتحذير من اعتزال أحوال المسلمين وهمومهم برُمَّتها، أو انفلات الحَماسة دون عقال مِن عقْل أو دين، كل ذلك عُدَّ حفظًا للدِّين والأعراض، وحفظًا للأمة مِن الضعف وتَسرُّب الوهن إلى أفرادها؛ فإن هذه الآفات تُوهن الأمَّةَ، وتُضعف العلاقات، وتُوغر الصدور، وقد جاءت معالجة هذه القضيَّة في الإسلام وفق قواعد شرعيَّة واضحة، ولا شكَّ أن أصحاب هذه المهمَّة المعنيين بهذا الدَّور هم أهل العلم والغيرة على هذا الدِّين، وكلُّ مَن نحا نحوهم.

ولو أُفرد لكلِّ آفة مِن هذه الآفات حديث، لطال المقام جدًّا، ولكن حسبنا مِن ذلك المرور بما يُناسب المختصر.

 

أما الخَوض في الشائعات، فهو محرَّم بأصل الشرع، فقد أخرج مُسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: ((كفى بالمرء كَذبًا أن يُحدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ))[1]، وقد ألزم الشرعُ المسلمَ التؤدة وعدم العجلة في نقل الأخبار، وجعل ذلك أمرًا مفروضًا، وجعل الله تعالى إذاعة الشائعات صفةً مِن صفات المنافقين، فقال جل شأنه في كتابه: ﴿ وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ ﴾ [النساء: 83]، فالتسابق إلى نقل الأخبار السيئة وإشاعتها ليس مِن صفة المؤمنين، بل وصَفَهم الله تعالى بالفسق، فقال سبحانه: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ ﴾ [الحجرات: 6]، والتبيُّن هنا في حق مَن يَعنيه الأمر، فليس على المجتمع أن يَنشغِل في البحث والتحقُّق والتبيُّن مِن كلِّ مسألة وخبر.

 

وتكفي نظرة على صفحات ووسائل التواصل الاجتماعي، ليُدرك المنصف أن ثَمة خللًا كبيرًا في تناول الأخبار المظنونة، وتلقي الأنباء مجهولة المصدر، فلا تثبُّت تراه عند القوم ولا تؤدة، بل تجد تبادُلَ النقولات من المكتوب والمصوَّر والمرئي دون توثيق أو تثبُّت.

 

فيتكلَّم الإنسان بكل قول سمعَه، يتلقَّاه لسانه قبل أن تتلقاه أذنُه، وقبل أن يَعرضه على قلبه، حتى يعلم هل هو صحيح أم باطل؟ ومما يَزيد الأمرَ دهشةً أن مِن هؤلاء من يعلم تمام العلم أن كثيرًا من هذه المنشورات مزيَّفة وملفَّقة وخدَّاعة، لا سيما وقد أصبح التلاعُب بالصور والمرئيات أمرًا سهلًا ميسورًا بما يُوهم أنه حقيقة، وما هو إلا أكاذيب محضَة، وسرابٌ بِقِيعة يَحسبُه الظمآن ماءً، والواقع يَشهد بذلك.

 

ومن نظر إلى العالَم اليوم ومشكلاته ووقوع التنافر بين أبناء البلد الواحد وصراعاته، سيجد جُلَّها من وراء تلك الأكاذيب، ولو أنهم رَدُّوا ذلك إلى ما أمر الله ورسوله به من التبيُّن والتثبُّت، لسُدَّت أبواب شرٍّ كثيرة، ولكان خيرًا لهم وأقوَم.

 

بل إنَّ الانزلاق وراء تلك الشائعات يُفضي ولا بدَّ إلى التَّجسُّس وتتبُّع العورات، والتجسُّسُ هو: البحثُ عن عيوبِ المسلمين وعَورتهم؛ قال تعالى: ﴿ وَلَا تَجَسَّسُوا ﴾، فقد رُوي عن معاوية رضي الله عنه قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ((إنَّك إن اتَّبعت عَوْرَاتِ النَّاس، أفسدتهم، أو كدتَ أن تُفسدَهم))[2].

 

ولو كان ذلك في أعراض أهل العلم، لكان أشدَّ إثمًا وأعظم بهتانًا؛ إذ لُحومهم مسمومة، وسنة الله في منتقصِهم معلومة، فعلى أولئك الذين يتتبَّعون الشائعات والمثالب، ويَبحثون عن الأخطاء والمَعايب، أن يتَّقوا الله، ويَعلموا أن الله بكلِّ شيء محيط.

•••

أما عن اعتِزال أمور المسلمين، والتنكُّر لآمالهم وآلامِهم وهُمومهم، وكأنَّ القوم لا يَعنيهم الأمر، فهو في الحقيقة نقْصٌ عندهم في التربية، وخللٌ في انتمائهم لأمتهم.

 

“فلا تَجد في تصرُّفاتهم وأفعالهم عنايةً بهذا الشأن العام، فلا هم يَهتمون بآمالهم، ولا يتألمون لآلامِهم، ولا يذكرون ما هم فيه مِن المشكلات والأزمات، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتأثر عندما يبلغه ضرر يَصلُ إلى مسلم، حتى إنه صلى الله عليه وسلم لما جاءت الدافَّة إلى المدينة جعل يَدخُل ويَخرُج وقد احمرت وجنتاه واغرورقت عيناه، ثم صعد المنبر فقال: ((تصدَّق امرؤ مِن درهمه، مِن ديناره، مِن صاع بُرِّه، مِن صاع تَمره))، حتى جمع لأولئك الدافَّة مالًا عظيمًا فقسمه بينهم، فكان صلى الله عليه وسلم يهتمُّ بأمر الضعَفة والمُستضعَفين من المسلمين[3].

 

وهذا فيه تركٌ صريح للهدْي النبويِّ؛ فعن عثمان رضي الله عنه قال: “إنَّا والله قد صَحبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر والحضَر، يَعودُ مرضانا، ويتْبَع جنائزنا، ويَغزو معنا، ويُواسينا بالقليل والكثير”[4].

 

“بل ربما يَفتخر البعض من طلاب العلم بأنهم يَجهلون هذا الواقع، ويجهلون ما يجري في حياة الناس، وما جدَّ في هذه الحياة من أمور…، والواقع أن انعزال الإنسان عن واقعه ليس فيه ما يدعو إلى الفخر، بل إن طالب العلم المحقِّق لعلمه يَحرص على أن يَنزِل بعلمه في واقع الحياة”[5].

 

والشاهد من ذلك أن العالِم والمُفتي والداعية، ومَن نحا نحوهم، واقتفى أثرَهم – لن يستقيم لهم هذا الدور العظيم حتى يَكون لهم نصيب من معرفة أحوال الناس وطباعهم وتأثُّرهم بتغيُّرات الواقع.

 

يقول ابن القيم رحمه الله: “[معرفة الناس] وأما قوله: “الخامسة: معرفة الناس”، فهذا أصل عظيم يحتاج إليه المُفتي والحاكم؛ فإن لم يكن فقيهًا فيه، فقيهًا في الأمر والنهي، ثم يطبِّق أحدهما على الآخر، وإلا كان ما يُفسد أكثر مما يُصلح؛ فإنه إذا لم يكن فقيهًا في الأمر له معرفة بالناس، تصوَّرَ له الظالمُ بصورة المظلوم وعكسه، والمُحقُّ بصورة المبطل وعكسه، وراج عليه المكر والخداع والاحتيال، وتصوَّرَ له الزنديق في صورة الصدِّيق، والكاذبُ في صُورة الصادق، ولبس كل مُبطل ثوب زور تحتها الإثم والكذب والفجور، وهو لجهله بالناس وأحوالهم وعوائدهم وعرفياتهم لا يُميِّز هذا من هذا، بل يَنبغي له أن يكون فقيهًا في معرفة مكر الناس وخِداعهم واحتيالهم وعوائدهم وعُرفياتهم؛ فإن الفتوى تتغيَّر بتغيُّر الزمان والمكان والعوائد والأحوال، وذلك كله من دين الله كما تقدَّم بيانه، وبالله التوفيق”[6].

 

وقال رحمه الله في مَوضِع آخر:

ولا يتمكَّن المُفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:

أحدهما: فهْم الواقع، والفقه فيه، واستنباط علم حقيقة ما وقع بالقرائن والأمارات والعلامات حتى يُحيط به علمًا.

إنَّ تحكُّم العاطفة في النفس مع انفلات الحماس من ضوابط العقل، يُلحق الضررَ بالمرء ويُورده المهالك وإن كان على قدرٍ عظيم مِن العلم؛ فإنَّ العقل إن لم يَحكُم بالشرع أدَّى إلى انحراف وضلال، فمِن وسائل الثبات وأمْن الزلل عدمُ الحماس الزائد.

 

وهذا لا يَعني قتل العاطفة في النفس، فهي شيء فطريٌّ لا يُمكن الانفكاك عنه، ولكن ليس من الحكمة أن نغيِّب عقولنا ونَنساق باندفاع وطيش وراء عواطفنا، سواء في قرار أو ردة فعل؛ فإن نبْل المقصد وطِيب النية لا يُعفي من خطايا الوسيلة، وما تغييرُ المُنكَر رهن الاندفاع والعاطفة فحسب، بل يجب أن يحتكم إلى ضوابط الشرع والعقل.

 

“القطاع الكبير مِن المسلمين يَغيب عنه الوعي الديني الكامل، وتَغلب عليه العاطفة التي ينبغي أن تكون مُرتبطة بالكتاب والسنَّة، فأي عاطفة لا تَنضبط بالكتاب والسنة هي وبالٌ على الشخص وعلى الأمة؛ فمِن حق المسلم أن يغضَبَ عندما يُساءُ للنبي صلى الله عليه وسلم، أو أي موضوع ينال ثوابت الإسلام، لكن بدون الاندفاع لهوى عاطفته.

 

وعلى أهل العلم والفضل أن يحدِّدوا طرق إحكام العقل، وضبط العاطفة، وسبل الرد على الاستفزازات ردًّا عمليًّا عن كيفية التزام المسلم بأخلاقيات دينه ونبيه محمد صلى الله عليه وسلم.

 

وعلى الإنسان المسلم أيضًا ألا يتصرَّف إلا بناءً على فهم ووعي لواقع الدين، ولا أتحرَّك بعاطفتي كـ”الدابة التي قتلتْ صاحبَها”، وأن يعلم المُسلم أن أيَّ فعل أو رد فعل بدون وعْي أو انضباط لا يردُّ حقًّا، ولا يمنع ظلمًا وعدوانًا؛ إنما يكون له آثار سلبية أكبر، وعلى الإنسان قبل أن يتصرَّف في أمر عام مُراجعةُ العلماء لضبط ميزان العاطفة والعقل.

 

يُعتبَر التعميم أخطر آفة وعيب مِن عيوب التفكير، وللأسف فالتعميم ناتج عن أسلوب التعليم الذي يَعتمد على التلقين والحفظ، بجانب أسلوب التربية الذي يَعتمد على عدم المناقشة والجدل”[7].


[1] رواه مسلم (1 / 10) في المقدمة، باب النهي عن الحديث بكل ما سمع، وأبو داود رقم: (4992) في الأدب، باب في التشديد في الكذب.

[2] رواه أبو داود وابن حبان في صحيحه، وصححه الألباني في صحيح الترغيب (2342).

[3] من خطبة للشيخ الددو بتصرُّف.

[4] أخرجه أحمد (1 / 69، رقم: 504)، والبزار (2 / 59، رقم: 401)، مجمع الزوائد للهيثمي (7 / 228).

[5] من دروس الشيخ سلمان العودة.

[6] إعلام الموقعين (4 / 157).

[7] جزء مِن مقال بمجلة الوعي الإسلامي.

قراءة المزيد...
دراسات وبحوث

حكم الانبطاح على الوجه أو النوم على البطن: بين المحدثين والفقهاء

الحمد لله
فهذا بحث يتعلق بمسألة ورود النهي عن (الانبطاح على الوجه أو (النوم على البطن))، وما أُشكل عليه ، جمعت فيها ما تيسر من أقوال أهل العلم وفتاويهم، وما دار بين المحدثين في تلك المسألة من سجال ومناقشات ، وما أدلى به بعض أهل المعرفة والطب .
وكان الباعث على ذلك أن بعض الأفاضل ممن له مباحث ومقالات وردود قد تعرضوا لهذه المسألة فتكلموا فيها كلام الراغب فى الحق ، والمدافع عن السنة – نحسبهم كذلك – ولكن على نحوٍ من التشكيك فى ثبوت النهى أو إنكاره جملة،- مع ما ورد عن السلف والخلف من ثبوت النهى عندهم – حيث اكتفى بإيراد كلام المحدثين فى بعض طرق الأحاديث الواردة فى النهى، ولم يستعرض أقوالهم فى قبوله أو كلام أهل العلم من التابعين أو من جاء بعدهم من فقهاء المذاهب الأربعة أو من المحققين من كل عصر
وأنا مرحبٌ وشاكر لكل من أدلى بملاحظة أو استدراك أو تعقيب من الأفاضل المشايخ والأخوة من طلبة العلم .
الموضوع مرفق في ملف
http://www.alukah.net/sharia/0/108165/
قراءة المزيد...
أريج المنهل

مدونة تهتم بالعلوم الإسلامية والدراسات الفقهية