أريج المنهل

أبحاث – دراسات – مقالات

تدوينات معاصرة

طالب الحق كناشد ضالة

 

طالب الحق كناشد ضالة

 

لا يستقيم الأمر للمنصف حتى يكون ” في طلبه للحق كناشد ضالة لا يفرق بين أن تظهر الضالة على يده أو على يد من يعاونه ، ويرى رفيقه معينا لا خصما ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق كما لو أخذ طريقا في طلب ضالته فنبهه صاحبه على ضالته في طريق آخر فإنه كان يشكره ولا يذمه ويكرمه ويفرح به فهكذا كانت مشاورات الصحابة رضي الله عنهم حتى أن امرأة ردت على عمر رضي الله عنه ونبهته على الحق وهو في خطبته على ملإ من الناس فقال أصابت امرأة وأخطأ رجل ” ([1])

” فإذا كان التأصيل العلمي والمنهجي في الحوار ذا أهمية كبيرة، فإن الجانب السلوكي والتربوي له أثر كبير جداً في هذا الباب، إذ إن الممارسة الناضجة والتخلق الكريم بأخلاق القرآن العظيم، هما الترجمان الحقيقي والأثر الحي الصادق للعلم الصحيح، فليست المشكلة في قضية الحوار علمية فحسب وإن كان لها أثر كبير وإنما هي تربوية ونفسية كذلك.

والتجرد في طلب الحق يُعين في الوصول إليه، والهوى داء خطير يعمي بصيرة الإنسان، فلا يرى حقاً إلا ما وافق هواه، والعلم وحده لا يكفي في ساحة الحوار، بل لابد معه من الإخلاص والتجرد، فقد يضل المرء على علم والعياذ بالله كما قال تعالى: [أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم] .

وعلى المحاور الصادق أن يقصد بمحاورته وجه الله تعالى وحده لا شريك له، فلا يرجو الغلبة والانتصار، كما لا يرجو ثناء الناس أو حمدهم، فما عندهم ينفد وما عند الله باق، قال الله تعالى: [فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً] .

قال الخطيب البغدادي رحمه الله تعالى في ذكر آداب الجدل والمناظرة:

«ويخلص النية في جداله بأن يبتغي به وجه الله تعالى … وليكن قصده في مناظرته إيضاح الحق وتثبيته دون المغالبة للخصم» .

فصاحب الهوى ليست له قواعد مطردة، أو موازين منضبطة، يعتمد عليها في البحث عن الحق، بل تراه يدور مع هواه حيث دار، وحينما يتصف المحاور بهذه الصفة فلا يمكن أن يصل المتحاوران إلى النتيجة المرجوة بحال.

ومن مقتضيات التجرد في طلب الحق: أن يدخل المرء ساحة الحوار باحثاً عن الحق، حتى لو كان عند خصمه،

ولا يتردد أبداً في أن يتراجع عن رأيه إذا تبين له صحة رأي غيره، قال الله تعالى: [وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين] كان الإمام الشافعي رحمه الله تعالى يقول: «ما ناظرت أحداً قط فأحببت أن يخطئ» ، وقال أيضا: «ما كلمت أحداً قط إلا أحببت أن يوفق

ويسدد ويعان، وما كلمت أحداً قط إلا ولم أبال بَيّنَ الله الحق على لساني أو

لسانه» . ([2]) وقارن هذه النفس المخبتة الصادقة، التي تعلو على الأهواء ولا تتطلع إلا إلى

الحق، بتلك النفوس المريضة التي تراوغ هنا وهناك حتى لا يظهر ويعلو إلا قولها، سواء أكان ذلك حقاً أو باطلاً.. قال أبو حامد الغزالي رحمه الله تعالى: «فانظر

إلى مناظري زمانك اليوم كيف يسود وجه أحدهم إذا اتضح الحق على لسان خصمه، وكيف يخجل به، وكيف يجهد في مجاحدته بأقصى قدرته، وكيف يذم من أفحمه

طول عمره..؟ ([3])………”([4])

ولا يضر المرء أن يحب ظهور الحق على يديه أو يحصل الخير بسببه ، فإن ذلك طبع جبلي فطره الله تعالى عليه ، ولقد فرح عمر بن الخطاب رضى الله عنه لما فطن أبنه النجيب عبد الله سؤال رسول الله عن الشجرة التى لا يسقط ورقها فقال رضى الله عنه : لئن قلتها لكان أحب إلي من كذا وكذا ….. لكن أن يكره ظهور الحق على يدى غيره ويجد فى قلبه من ذلك حرجا أو فى صدره ضيقاً أوفى حلقه غصة فإنها الأفة التى طالما حذر منها الشارع فى غير موضع من الكتاب الله أو السنة ، ” فإن الرجل قد يكون له بصيرة وحسن إدراك ومعرفة بالحق ورغوب إليه فيخطئ في المناظرة ويحمله الهوى ومحبة الغلب وطلب الظهور على التصميم على مقاله ، وتصحيح خطئه ، وتقويم معوجه بالجدال والمراء . وهذه الذريعة الإبليسية والدسيسة الشيطانية قد وقع بها من وقع في مهاوٍ من التعصبات ومزالق من التعسفات عظيمة الخطر مخوفة العاقبة . وقد شاهدنا من هذا الجنس ما يقضي منه العجب” ([5])                                                    يقول ابن رجب رحمه الله : قال بعض السَّلف : التَّواضُعُ أنْ تَقْبَلَ الحقَّ مِن كلِّ من جاء به ، وإنْ كان صغيراً ، فمن قَبِلَ الحقَّ ممَّن جاء به ، سواء كان صغيراً أو كبيراً ، وسواء كان يحبُّه أو لا يحبه ، فهو متواضع ، ومن أبى قَبُولَ الحقِّ تعاظُماً عليه ، فهو متكبِّرٌ  ([6])

وقال ابن القيم:”…… فما وجدت فيه من صواب وحق فاقبله ولا تلتفت إلى قائله بل انظر إلى ما قال لا إلى من قال وقد ذم الله تعالى من يرد الحق إذا جاء به من يبغضه ويقبله إذا قاله من يحبه فهذا خلق الأمة الغضبية قال بعض الصحابة اقبل الحق فمن قاله وإن كان بغيضا ورد الباطل على من قاله وإن كان حبيبا وما وجدت فيه من خطأ فإن قائله لم يأل جهد الإصابة ويأبى الله إلا أن يتفرد بالكمال كما قيل:

والنقص في أصل الطبيعة كامن … فبنو الطبيعة نقصهم لا يجحد .” ([7])

 

والحاصل لكى نصل إلى الغاية من المعنى السابق لا بد من توفر أصلين .

الأول : التجرد في طلب الحق، والحذر من التعصب والهوى، وإظهار الغلبة والانتصار للنفس بالمجادلة بالباطل.

الثانى : الاتفاق على أصل يرجع إليه، والمرجعية العليا عند كل مسلم هي : الكتاب والسنة، بهم وطرائق السلف فى الأخذ بهما وكذلك الضوابط المنهجية . وقد أمر الله بالرد إليهما فقال سبحانه: فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ

( 1) إحياء علوم الدين  1/57

( 2) مناقب الشافعي للرازي (ص 36) والفقيه والمتفقه (2/26) .

( 3) إحياء علوم الدين (1/44) .

( 4) مقال للشيخ أحمد بن عبد الرحمن الصويان [التجرد في الحوار ] في مجلة البيان (238 عددا)

( 5) ” أدب الطلب ومنتهى الأرب ” للشوكاني ( ص:110).

( 6) ” جامع العلوم والحكم ” لابن رجب الحنبلي . الحديث رقم (13).

( 7) ” مدارج السالكين ” (3-522).

ربما يعجبك هذا أيضا

لا يوجد تعليقات حتي الآن

اترك تعليق

أريج المنهل

مدونة تهتم بالعلوم الإسلامية والدراسات الفقهية